ابن البيطار
43
تفسير كتاب دياسقوريدوس
إلّا أنّ ترحاله لم يكن ترحال جنديّ يؤدّي واجبه العسكريّ فقط بل كان ترحال العالم الباحث أيضا . فقد كان ينصرف في الأماكن التي يحلّ بها إلى التّعشيب ودراسة المواليد ، إلّا أنّ اهتمامه بالنّبات كان أغلب ، فقد كان يدوّن فيه ملاحظاته ويرسم أعيانه تصويرا . وعندما أنهى عمله العسكريّ واستقرّ به المطاف جمع مختلف مشاهداته وملاحظاته العلميّة في كتاب جليل في الأدوية المفردة سمّاه « هيولى الطّبّ » ( Materia Medica ) - ويعرف في المصادر العربيّة ب « كتاب الحشائش » و « كتاب الخمس مقالات » - وقسّمه إلى خمس مقالات ضمّنها خلاصة ملاحظاته حول عدد هائل من الأدوية المنتمية إلى المواليد الثّلاثة . على أنّه لم يقتصر في حديثه على الأدوية المفردة بل خصّ بالحديث أيضا كثيرا من الصّموغ والأدهان والأشربة والمعاجين ، كما خصّ بعض أعضاء الحيوان بموادّ مستقلّة ، وأهمّها الأكباد والرّئات والمرائر ، وقد قسّم المقالات إلى مداخل مستقلّة انفرد كلّ منها بدواء ، وذلك ما أكسب الكتاب صفة المعجم ، إلّا أنّ الأدوية قد رتّبت بحسب اتّفاقها في الأجناس والقوى وليس على حروف المعجم « 3 » . وقد نزّل هذا الكتاب ديوسقريديس منزلة رفيعة في تاريخ الطبّ والصيدلة ، وخاصّة في تاريخ علم النبات ، وقد أثنى عليه جالينوس منذ القرن الثّاني للميلاد ثناء كبيرا بقوله : « تصفّحت أربعة عشر مصحفا في الأدوية المفردة لأقوام شتّى فما رأيت فيها أتمّ من كتاب دياسقوريدوس ( . . . ) وعليه احتذى كلّ من أتى بعده » « 4 » ، ولكنّ المنزلة المتميّزة التي حظي بها الكتاب ومؤلّفه كانت بفضل اهتمام العرب بهما .
--> ( 3 ) أشار ديوسقريديس إلى ذلك في مقدّمة الكتاب بقوله : « وأنا ملتمس أن استعمل الترتيب على قدر اتّفاق الأجناس والقوى وإن اختلف في ترتيب حروف المعجم » - المقالات ، ص 9 ( ط ) . ( 4 ) ينظر : ابن جلجل : الطبقات ، ص 21 .